أحمد بن علي الرازي

105

شرح بدء الأمالي

وقد ضل الفريقان جميعا : القدرية بإضافة الفعل إلى نفسها ، والجبرية بإضافة فعله القبيح إلى الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . والمعتزلة والقدرية ينفيان إرادة الله ومشيئته وتقديره عن أفعال العباد إذا كان بمعصية . قالت : هي لا بإرادته ومشيئته بل بكراهيته ؛ لأن الله تعالى بين الطريقين وفوض الأعمال إلى العباد ، إن شاء يختار الخير وإن شاء يختار الشر ، وأفعالهم ليست بمخلوقة الله تعالى . وقلنا : أفعال العباد مخلوقة الله « 1 » تعالى ، لقوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كل ميسر لما خلق له » وهو خالق [ 52 ] الأفعال كما هو خالق الأعيان ، والحاصل أن عندهما الإرادة مطابقة للأمر « 2 » ، فكل ما أمر الله تعالى به فقد أراده ، وكل ما نهى عنه فقد كرهه .

--> ( 1 ) قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي : الإيمان بأن الله سبحانه خالق كل شيء ، فهو خالق كل عامل وعمله وكل متحرك وحركته ، وكل ساكن وسكونه ، وما من ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها . وقال رحمه الله : وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم مشيئة والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم وأقوالهم وأعمالهم وهو تعالى الّذي منحهم إياها وأقدرهم عليها ، وجعلها قائمة بهم مضافة إليهم حقيقة وبحسب ما كلفوا عليها يثابون ويعاقبون ، ولم يكلفهم الله تعالى إلا وسعهم ، ولم يحملهم إلا طاقتهم ، وقد أثبت ذلك لهم في الكتاب والسنة ، ووصفهم به ثم أخبر تعالى أنهم لا يقدرون إلا ما أقدرهم الله تعالى عليه ، ولا يشاءون إلا أن يشاء الله عز وجل ، ولا يفعلون إلا بجعله إياهم فاعلين . وقال رحمه الله : والمقصود أن الله سبحانه في جميع تصرفاته في عباده فاعل حقيقة ، والعبد منفعل حقيقة فمن أضاف الفعل والانفعال كلاهما إلى المخلوق كفر كالقدرية ، ومن أضافهما إلى الله تعالى كفر كالجبرية ، ومن أضاف الفعل إلى الله حقيقة والانفعال إلى المخلوق حقيقة كما أضافهما الله تعالى فهو المؤمن حقيقة ا . ه بتصرف . انظر « معارج القبول » ( 3 / 940 ، 943 ) . وقال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله : وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد . ا . ه الطحاوية وشروحها . ( 2 ) معنى الإرادة مطابقة للأمر : أي أن الله لم يرد إلا الخير الّذي أمر به لا الشر الّذي نهى عنه ، وهو معنى قول المبتدعة : الخير ما أراده الله وفعله والشر ما أراده العبد وفعله . والله أعلم .